
أزمة غلاء أم أزمة قلوب
كتبه/ مروة يحيى
يمر بحياة الشعوب مراحل فاصلة، مراحل يعتقد أهلها أنهم قد بلغوا القمة في التطور والرقي ولكن في غالب الأمر مع زحمة هذا التقدم والرقي ينسوا أو يتناسوا أن لهم رباً قد خلقهم ورزقهم، وينسوا أو يتناسوا أن لهم ألهاً يجب عليهم أن يقيموا شرعه في حياتهم، وعندما تصل البشرية إلى هذا المنعطف الخطير، تطفو على السطح العديد من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية وأهم من هذا المشاكل الأخلاقية والعقائدية.
ومن يدقق النظر في كل هذه الأزمات يجد أنها أزمة قلوب، قد يتعجب البعض ويقول وما دخل القلوب في هذا؟ وما القلب إلا عضلة في الجسد تمده بالدماء والغذاء!! كلا... فوظيفة القلب ليست مادية فقط بل هي أكثر منها حسية، فالقلب هو الملك في الجسد، وباقي الأعضاء له جنود، فإذا أمرهم بالخير أطاعوه، وإن أمرهم بالشر أطاعوه، »ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب«، والقلب هو محط نظر الرب: "إن الله لا نظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم".
تعس عبد الدرهم
انظر إليه صلى الله عليه و سلم و هو يصف حالنا و قد أصابتنا التعاسة و يشخص لنا داءنا.
قال الصادق المصدوق رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: " تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم".
قالت لي نفسي: عبد الدرهم... عبد الدينار!!! سبحان الله وهل يُعبد الدرهم والدينار؟! وكيف يعبد الدرهم والدينار من دون الله؟! أًجُن بني آدم؟! فأجبت: بل يوجد... قالت لي نفسي: أين؟ ومن هم؟! قلت: هم في كل زمان ومكان... أحبوا الدنيا من جميع شغاف قلبهم... فتملكهم حبها... وبنوا لها معبداً داخل قلوبهم، شيدوه بحب الدنيا وكراهية الموت، وسقوا حدائقه بالغش والنفاق والرياء، فرشوه باللؤم والخداع، وزينوه بالكذب، وأقاموا جدرانه بأكل الربا وأكل السحت وأكل مال اليتيم... شعارهم "نفسي... نفسي"، وهدفهم... أريد أن أعلو على غيري وإن خُنت وإن ظلمت،... اتخذوا "قارون" لهم حامل للراية، بدون فهم أو دراية.
فمن امتلأ قلبه بجب الدنيا كانت أفعاله كلها من أجلها، فإذا أحسن إلى أحد فمن أجل السمعة، وإذا تكلم تشعر وكأن الدنيا قد تمثلت في شخص إنسان وبدأت تكلمك عن نفسها، فيتكلم عن الأموال والعقارات والأسهم وكيف يعيش ذوي السلطة والجاه، فيمتلأ قلبه يوما بعد يوما حبا لها... فيعيش من أجلها... كلامه، حركاته، سكناته، صداقاته، معارفه، فإذا صادق أحداً فلمصلحته الخاصة وإن كان يراه شيطانا رجيماً، وإذا عادى أحداً فلمصلحته الخاصة وإن كان يراه من أنقى الناس قلوبا، يتلون كالحرباء على قدر مصلحته، ويحسب ذلك ذكاء وشطارة، قال صلى الله عليه وسلم: "إن شر الناس ذو" الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه"" [رواه البخاري].
فإذا استشرى هذا المرض العضال في أي مجتمع حيدوا شرع الرحمن وحكموا بدلا منه شرع الشيطان ألا وهو "البقاء للأقوى" فيعتبر كل فرد في هذا المجتمع باقي الأفراد له أعداء ينازعونه في رزقه، وبالتالي فكل فعل خبيث في حقهم دفاعا عن النفس "والغاية تبرر الوسيلة"، فيصبح مجتمعاً غير آمن ينتشر فيه السرقة والغش والخداع والكذب واستغلال الغير، وبالتالي ينهار المجتمع بأسره بانهيار كل الفضائل فيه.
وقد يقول قائل وما دخل هذا بالعبادة؟ فنقول إذا كانت كل أفعاله من أجل الدنيا والسمعة والجاه فماذا بقي لله من أفعاله؟ هل تلك الحركات والسكنات التي يفعلها ويظن أنها صلاة وهي لا تحرك فيه شيء ولا تنفعه بشيء!!، ولذا كان الحسن يقول: "والله ما عجبت من شيء كعجبي من رجل لا يحسب حب الدنيا من" الكبائر، وأيم الله إن حبها لمن أكبر الكبائر، وهل تشعبت الكبائر إلاَّ من أجلها، وهل عُبدت الأصنام، وعُصيَ الرحمن إلاَّ لحب الدنيا؛ فالعارف لا يجزع من ذلها، ولا يُنافس بقربها، ولا يأسى لبُعدها"".
ثم يكمل الرسول صلى الله عليه وسلم الحديث بالدعاء على هذا الذي تعلق قلبه بالدينار كما يتعلق قلب العبد بربه، فكان الدرهم أكبر همه فقدمه على طاعة ربه، فبعد أن يدعو عليه بالتعاسة أي الهلاك والشقاء، يعود فيدعو عليه مرة أخرى: "تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتفش": أي يدعو عليه أنه إذا أصابه شيء ألا يجد من يساعده فيخرج له الشوكة التي شاكته، وهذا يبين حال من كان يعبد مال أو يعبد جاه أو يعبد صورة، فيخضع لها ويتذلل من أجلها ولذلك قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم أنه عبد للدرهم، لأنه يجمع المال من أي وجه كان، فإذا تعارض مع الشريعة قدمها على الدين، وبل وفي بعض الأحيان جعل الدين وسيلة لطلب الدنيا!!
ثم يذكر الرسول صلى الله عليه وسلم نموذجاً آخر معاكساً تماما للنموذج السابق "وبالضد تتبين الأشياء" فيقول: "طُوبَى لِعَبْدٍ اخِذٍ" بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، اَشْعَثَ رَاْسُهُ مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ، اِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ، وَاِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ، اِنِ اسْتَاْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَاِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ""
سبحان الله... "طوبى لعبد"... إنه عبد لله وحده وليس لدنيا ولا لمال ولا لجاه، أختار العبودية للذي خلقه وسواه، فتوجه له بجميع أعماله وأفعاله، لا يريد عرض هذه الدنيا الزائل. "آخذ بعنان فرسه في سبيل الله": أي دائم حاضر ومستعد للجهاد في سبيل الله، على أهبة الاستعداد، لا تعوقه دنيا يفكر فيها ولا أماني يبنيها، فهو لله أينما كان، "مغبرة قدماه": أي نذر حياته للجهاد ونيته خالصة في سبيل الله، وليس مترفاً أو منعماً، ثم يقول: "إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة": فحيثما وضع نفع، وقام بحق العمل المطلوب منه، فتحمل مهما كانت المسألة شاقة.
وهذا ليس خبر الذي يجاهد في سبيل الله فقط، ولكنه خبر الذي يهب حياته كلها لله، فإن أحب أحداً فلله، وإن أبغض أحداً فلله. يعمل ليل نهار من أجل الدعوة لله، ينفق من ماله الذي استخلفه الله فيه أينما علم بوجود من يحتاجه، ولا يبخل على أحد بما أعطاه الله. فإذا أحب عبدا ربه ومولاه من جميع شغاف قلبه، أمر القلب باقي أعضاء الجسد، فلا يمشي إلا إلى ما يحبه الله، ولا يرى إلا ما يرضى عنه الله، ولا يفعل إلا ما يتقرب به إلى الله، فهو لله وبالله ومع الله، فهو مباركاً أينما كان، وهو مع هذا لا يريد الأضواء، ولا الذكر عند الناس، ولا يدفعه إهمال الناس له إلى إهمال المهمات المناطه إليه.
فإذا أحب الناس الله من جميع قلوبهم، أطاعوه وأعلوا شرعه وطبقوا منهجه في جميع شئون حياتهم، وأحب بعضهم البعض فأصبحوا جميعا كالجسد الواحد "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى"... فيكون المجتمع كله أسرة واحدة متعاونة، يعطف بعضهم على بعض، يرحم القوي فيهم الضعيف، ويحنو الغني فيهم على الفقير، فلا يتكبر أحداً على أحد لما أعطاه الله من مال أو سلطة بل على العكس من ذلك فهو يعلم أن المال أو السلطة التي بيده هو ابتلاء من الله ليمتحنه فيه ويعلم هل سوف يشكر النعمة ويرجع فضلها لمن رزقه بها ألا هو الرزاق الكريم، أم سيكفر بها ويقول {إنما أوتيته على علم عندي}، فإذا شعر بأن ماله هذا هو استخلاف من الله له {انفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه}، شعر أنه موكل بهذا المال فبذل جهده لينفقه فيما يحبه الله ويرضاه، وعندما يعلم أن الله هو الرزاق {وفي السماء رزقكم وما توعدون فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون}... فلن يسرق ولن يغش ولن يطفف في الميزان ولن يكذب، فقد علم أن رزقه من عند الله وحده فلن يطلبه بمعصية الله "فلا يستبطئنكم طلب الرزق على معصية الله".
فلتكن وقفه مع القلوب
فإذا علمنا أن كل ما نحن فيه هو بسبب ذلك المرض الذي أفترس قلوبنا ألا وهو حب الدنيا فيجب علينا أن نسرع إلى الدواء لأن المرض قد انتشر في جميع أنحاء الجسد، فإما أن ننقذ ما يمكن إنقاذه وإما أن يفتك المرض بالجسد فيهلك وتهلك الأمة جمعاء.
وهذه بعض وصفات العلاج، سائلين الله أن يمن علينا بالشفاء العاجل:
1- كن كالطير: طليق لا يحدك دنيا ولا مال ولا صورة ولا منصب فتجعلك خاضع متذلل لها، مقيد بمقاييس الدنيا من أجلها، بل توجه لله وحده في أعمالك وأقوالك، لأن الله وحده هو القادر على نفعك و ضرك، فهو وحده الذي يحييك ويرزقك ويميتك، وهو الذي بيده ملكوت السماوات والأرض: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [سورة آل عمران: 26]، فإذا كنت تريد الدنيا فاطلبها من الله بطاعة الله، واعلم أنك إذا أخذتها بغير طاعة الله تكون عليك خزي وندامة {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ} [سورة الأنعام: 44]، فإذا تحررت من أي عبودية إلا عبوديتك لله تعالى تخلصت من أي خوف أو أي ذل لغير الله لنيل رزق أو مكانة أو أي نوع من أنواع النفع عن يقين تام أن الله وحده هو الرزاق.
2- حب لأخيك ما تحب لنفسك: نعم، حب لأخيك ما تحب لنفسك. حب له الخير كما تحب لنفسك، وليس المقصود من الحب المشاعر والود والتعاطف المعنوي فقط بل يتضمن العمل الفعلي الإيجابي الذي يصل إلى المساعدة المادية والمعنوية. ولا تقف عند حدود أن تحب له ما تحبه لنفسك من الخير فقط بل إذا فكرت أن تغش أحداً أو تكذب على أحد أو تمكر بأحد فاسأل نفسك: هل أرضى أن يفعل بي أحد هذا؟ هل أرضى أن يضللني أحد، أو أن يكيد بي أحد، أو أن يمكر بي أحد. وبالتأكيد الإجابة ستكون: لا. إذاً، لماذا ترضاه لغيرك؟!
واعلم أنه "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"... تذكر جيداً "لا يؤمن" فاحذر على إيمانك إن فعلت بأحد ما لا ترضاه لنفسك.
3- ولكن رب عمر يرانا: تعلًّم من هذه الفتاة الصغيرة التي فقهت المسألة، فعلمت أن الله رقيب علينا وعليم بما تخفي صدورنا، فأحبت الله وخافت عقابه. ورغم رقة حالها لم ترضى أن تعلو على حساب الآخرين، ورغم ما يمكن أن ينالها من عقاب أمها لم تخف إلا من عقاب الله عز وجل.
4- أنكر المنكر بقلبك: وليس معنى إنكاره بالقلب أن تكره الفعل فقط بدون اتخاذ أي موقف تجاه فاعله، بل أن تكره الفعل وتأخذ موقف من فاعله ولو حتى أن تتجنب التعامل معه. ولا تفعل كبني إسرائيل إذ كانوا إذا وجدوا أحداً على معصية نهوه عنها ثم آكلوه وشاربوه بعدها.
5- التوكل وليس التواكل: عليك بالسعي لطلب الرزق، واعلم أن الرزق لن يأتيك وأنت جالس في بيتك. فعليك بالعمل الجاد وتعلم ما ينفعك في عملك، ولكن فقط عليك أن تتقي الشبهات فلا تغش ولا تزور في عقد ولا تدعي علم ما لا تعلمه حتى ترزق بوظيفة.
6- كفى بالموت واعظاً: زر قبر أحد معارفك ممن كان لهم جاه أو مال، وتأمل في الأمر... فبعد أن كان من سكان القصور، أصبح من سكان القبور. لم يأخذ معه إلا عمله سواء كان عمله صالحاً أو غير ذلك. وتخيل فيما يفكر الآن؟ هل فرح بما وصل له من درجات في الدنيا، أم يقول لنفسه ليتني أعود فأعمل غير الذي أعمل وأصل إلى الدرجات في الآخرة... وأختار بنفسك... هل درجات الدنيا الفانية أم نعيم الآخرة الباقي؟!
7- كأني أكلت: هي قصة لأحد المسلمين في اسطنبول المسلمة منذ عصر بعيد، كان كلما اشتهى طعاماً وفر ثمنه وادخره، حتى ادخر مبلغا من المال فبنى به مسجداً وأسماه كأني أكلت، وكان له صدقة جارية حتى يومنا هذا. فلماذا لا نقتدي بهذا الرجل فكلما اشتهينا شيئاً من الرفاهيات وفرنا ثمنه وادخرناه ووجهناه في شيء يكون لنا صدقة جارية بعد موتنا... وتفكر ما هو أفضل لي متعة لحظات أم جنة عرضها الأرض والسماوات؟!
وأخيراً {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [سورة التوبة: 24].
كتبها راية اسلامية في 10:11 صباحاً ::

الاسم: راية اسلامية

